مقالات

في ظلال الإسراء والمعراج دروس وعبر.. من رحم المحن ميلاد المنح

في ظلال الإسراء والمعراج دروس وعبر.. من رحم المحن ميلاد المنح

الرسالة الأسبوعية

بسم الله الرحمن الرحيم

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)} الإسراء

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج معجزة كبرى، تكريما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و فيها من الدروس والعبر ما نحن بحاجة إليه، وعيا، وتأسيا، فى ظل هذه المحنة التى تعيشها الدعوة ،كيانا، وأفرادا، ولتبقى التربية زادا في مواجهة التحديات، ويبقى اليقين في موعود الله حيا في نفوسنا، وأن بعد المحنة منحة، وأن مع العسر يسرا، ولنقتطف هنا دروسا ثلاثة:-

1) التهيئة والتربية في مواجهة تحديات وصعوبات حمل الدعوة

إنها الهدف الأساسي من رحلة الإسراء والمعراج كما قال الله تعالى” لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا “فيرى ملكوت السماوات والأرض، ويرى الجنة والنار؛ فيزداد يقينا وثباتا، فيتحمل الصعاب، وتزداد عزيمته، وتقوى همته، لم لا و سيواجه الغرب جميعا وسيرميه العرب جميعاً عن قوس واحدة، وستقف الجبهات المتعددة ضد دعوته العالمية (المشركون العرب واليهود والنصارى والمجوس) كل هؤلاء سيقفون فى وجه الدعوة المباركة، فكان لابد من تربية وتهيئة لهذه المرحلة الضخمة المقبلة، ومواجهة كل هذه الجبهات والصعاب، فأراد الله أن يريه أيات السماوات والأرض فى هذا الكون ” مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) (النجم )، ولتبقى حقيقة ربّى عليها الله الأنبياء جميعا، سيرة، ومسيرة، وهي أنه سبحانه ” وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ” الأنعام ، فمن قهر الزمان في الإسراء والمعراج، وقهر النار مع سيدنا ابراهيم، وقهر البحر مع سيدنا موسي، فكان المعراج ورؤية الأنبياء تذكيرا بأن التربية أولا، ثم يأتي من بعد ذلك قهر الله للطغاة في الوقت الذي يشاء .

إنها التربية الربانية للأنبياء، حيث قال عن سيدنا ابراهيم عليه السلام “وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) ” وأيضا قال لسيدنا موسى عليه السلام “وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (24) ” فأراد الله ان يُرِي انبياءه هذه الآيات، حتى يقوى القلب، ويصلب العود، ويشتد فى مواجهة الكفر بألوانه وضلالاته ” وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران، وكان قولهم عند الشدائد” وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) الأحزاب

هذه التربية الربانية للأنبياء ومن بعدهم أصحاب الدعوات ولتبقى الطليعة في تلك الأرض المباركة في القدس والأقصى المبارك تقاوم الخيانة والعمالة قبل التهجير والتشتيت والتهويد والتفتيت تقاوم بالتصبير والتثبيت انتظارا للتتبير بإذن الله” فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7).

(2) بعد المحنة منحة

يقول الله تعالى” فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) الشرح “ويقول النبي صلى الله عليه وسلم “لا يغلب عسر يسرين” ويقول النبى صلى الله عليه وسلم “إذا دخل العسر جحرا دخل اليسر وراءه ليخرجه” فكم من محن وشدائد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم لها خاصة فى عام الحزن الذي ماتت فيه السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، و كانت تعالج الجراح النفسية، وكانت المعين، والسند، والرفيق على طريق الدعوة إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ لِمَ لا؟، وهي رضي الله عنها مكمن سر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعونا له صلي الله عليه وسلم، تمده بمالها، ورأيها السديد، وفى نفس العام مات عمه أبو طالب الذى كان يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكفي لحجم الكرب قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب”؛ فقد كان يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم ويعالج الجراح الجسدية.

ثم كانت رحلة الطائف فسار على قدميه أكثر من ثمانين كيلومترا، حتى يجد أرضا خصبة لبذرة الإسلام، وعله يجد قلوبا رحيمة تشرق بنور الإيمان، ولكنه لم يجد إلا قلوبا غليظة كالحجارة، أو أشد قسوة، فلم يكرموه، بل أساءوا إليه، لكنه ظل صلى الله عليه وسلم عشرة أيام يطرق أبواب الطائف فلم يفتح له باب، ويحدث الناس فلم يسمع له أحد حتى الثلاثة الذين استمعوا له أساءوا الرد، قال أحدهم وهو يمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر أما وجد الله أحدا غيرك، وقال الثالث والله لا اكلمك أبدا إن كنت رسولا، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، وإن كنت تكذب على الله ما ينبغى أن أكلمك؛ فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم :”إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنى”، ولكنهم سلطوا سفهاءهم وصببانهم وعبيدهم، يسبونه، ويقذفونه بالحجارة، حتى اختضب نعلاه بالدماء، وسيدنا زيد بن حارثة يقيه بنفسه خمسة كيلومترات من الضرب، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم بجوار حائط لعتبة وشيبة ابنى ربيعة وأخذ يدعو بهذا الدعاء الذى بنبض بالألم “اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين، انت ربي، ورب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمني، ام إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، لكن عافيتك هي أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، و صلح عليه امر الدنيا والآخرة، من أن ينزل علي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولاقوة إلا بك”.

وكان هذا اليوم اصعب على النبي صلى الله عليه وسلم من يوم أحد الذى استشهد فيه سبعون صحابيا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم سيدنا حمزة بن عبد المطلب، وكُسرت فيه رباعية النبى صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: ” لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ‘ فكان لابد بعد هذه المحنة من منحة.

فكانت رحلة الإسراء والمعراج التى نال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من التكريم ما لم ينله نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وكأن الله يقول للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت ابواب الارض قدم أغلقت فلم تفتح لك فإن أبواب السماء مفتوحة لك، وإذا كان أهل الأرض جفوك وعذبوك فإن أهل السماء فى استقبالك وإن قست الأرض وتجهمت لك فسأرده لك تحية مباركة فى حفاوة السماء لك، وأجعل نظام الكون يتغير لك. فكانت المنحة بعد المحنة وهذا ما نثق به پأن الله جاعل لما نحن فيه فرجا قريبا ومخرج،ا كما قال النبي صلى الله عليه لسيدنا زيد بن حارثة {َيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)}الاسراء

3) الإسراء والمعراج محك الإيمان الحقيقي

يقول الله تعالى” وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ” الاسراء والرؤيا هنا المقصود بها رحلة الإسراء والمعراج، وعبر عنها بالرؤيا لجلال عظمتها، ولأنها عجيبة من العجائب صارت كأنها رؤية، وهنا اختلف موقف الناس منها على حسب إيمانهم، فصاحب الإيمان القوى الراسخ آمن بها مثل سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذى قال “إن كان قال فقد صدق فإنى أصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه فى خبر السماء” ومنهم من ارتد ولم يصدق، ومنهم من كذب النبى صلى الله عليه وسلم رغم أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر لهم كل الأدلة على صدق ما قال، ولكنهم لم يصدقوه، ونحن الآن، وفى ظل هذه المحنة فى إختبار وامتحان أمام وعد الله بالتمكين لهذا الدين والمؤمنين، كما قال الله تعالى ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا المائدة””وقوله الله تعالى”إ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) وحديث النبى صلى الله عليه وسلم والذى رواه الإمام أحمد فى مسنده ” ستكون فيكم نبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء، ثم يكون حكما عضودا فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله إن شاء، ثم يكون حكما جبريا فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله، ثم تكون خلافة راشدة” وهنا سكت الرسول صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أن الإسلام هو الذى سيقوم، ونحن نؤمن بذلك بأن الله سينصر هذا الدين وهذه الدعوة، وإن دب اليأس فى نفوس أصحاب الإيمان الضعيف فنحن على ثقة من نصر الله وعطاء الله والذى سيذهل العقول كما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فى رحلة الإسراء والمعراج، وسيأتي من حيث لا نحتسب؛ لأنه من عند الله، وصدق الإمام الشهيد عندما يقول “سيقول الذى يسمعون هذا الكلام بعينه إنه الوهم والغرور وآنى لهؤلاء الذين لا يملكون إلا الإيمان والجهاد أن يقاوموا هذه القوى التآلية المجتمعة والأسلحة المتنوعة المختلفة وأن يصلوا إلى حقهم وهم بين ذراعي وجبهة الأسد سيقول كثيرون هذا؛ولعل لهم بعض العذر فهم قد يئسوا من أنفسهم ويئسوا من صلتهم بالقوى القادر.

أما نحن فنقول إنها الحقيقة التى نؤمن بها، ونعمل لها، ونحن نقرأ قول الله تعالى { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) آل عمران}” هذه منزلتكم؛ فلا تصغروا فى أنفسكم فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا فى دعوتكم سبيلا غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التى تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من منهاج سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيرها من الدعوات، لقد دعوتم وجاهدتم، وقد رأيتم ثمار هذا المجهود الضئيل أصواتا تهتف بزعامة النبى صلى الله عليه وسلم وهيمنة القرآن، ورأيتم دماء تسيل من شباب طاهر كريم فى سبيل الله، ورأيتم رغبة صادقة للشهادة، وهذا نجاح فوق ما كنتم تنتظرون، فواصلوا جهودكم واعملوا، والله معكم ولن يتركم أعمالهم”

وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى