تقارير مصرية

هدم البيوت بلا تعويض أو بدائل.. ديكتاتورية العسكر تدشن حملة تشريد واسعة

في النظم الديمقراطية والمنتخبة شعبيا، ينطلق النظام الحاكم في سياساته من مصالح شعبه جاهدا مؤسساته لتحقيق آمال وطموحات مواطنيه، الذين هم في النهاية يمثلون أهم مكونات الوطن إلى جانب الأرض والتراث الاعتقادي والديني والثقافي والحضاري.

أما في النظم المستبدة والعسكرية وغير المنتخبة، يمارس الحكام أشد أنواع التنكيل والإرهاب لتحقيق أهدافهم وسياساتهم التي قد لا تحظى بالتوافق الشعبي أو الجدوى الاقتصادية، ولا تمثل أولوية للشعب.

وبالنظر إلى مشروعات الجنرال الطاغية عبدالفتاح السيسي، في عموم مصر، خاصة فيما يخص هدم المنازل والسطو عليها تحت شعارات عديدة، سواء بدعوى التطوير أو شق الطرق وبناء الكباري أو معالحة العشوائيات؛ وهو ما يشكو منه ملايين المصريين في سيناء إلى مرسى مطروح والعلمين، ومن الإسكندرية شمالا إلى أسوان والنوبة جنوبا، وما بين ذلك سكان القاهرة والجيزة في المنيب والبساتين وماسبيرو والدويقة وغيرها من المناطق التي يطمع السيسي في الاستيلاء عليها، مقابل تعويض جائر لأهاليها أو نقلهم في الصحاري والفيافي في سكن غير ملائم، بل وخداعهم، بأنه سكن تمليك ثم بعد أخذ اللقطة والتصوير يفاجأ الأهالي بأنه سكن بنظام الإيجار، وعلى قاطني المساكن دفع ما عليهم من إيجار.

dوقبل أيام، أثارت إزالة العقارات السكنية بمنطقة “حي البساتين”، أحد أحياء جنوب القاهرة، المجاورة للطريق الدائري، في ظل التوسعات التي تقوم بها الحكومة للطريق حاليا، حالة من الغضب بين قاطني تلك المنطقة. إذ تستمر عملية إزالة المساكن من دون تحديد قيمة التعويض أو إيجاد أماكن بديلة لهم في ظل الشتاء، فضلاً عن ارتباط العشرات من الطلاب بالمدارس والجامعات والامتحانات التي أوشكت على البدء، ولا يعرفون مصيرهم فى ظل هذه الأزمة.

وكانت محافظة القاهرة قد قدرت قيمة التعويضات لساكني الغرفة الواحدة بـ40 ألف جنيه، والمطبخ والحمام بالمبلغ نفسه، والمحال التجارية بـ3 آلاف جنيه للمتر الواحد، شريطة تقديم بطاقة الرقم القومي وعقد الإيجار أو عقد التمليك، وإيصال مياه أو كهرباء أو غاز.

ورغم تقديم كل تلك الأوراق، إلا أنه لم يتم تقديم التعويض لغالبية الأهالي. في المقابل، قامت الجهات المسؤولة بقطع جميع الخدمات عن المواطنين من كهرباء وغاز، لإجبارهم على الإخلاء تمهيدا لعملية الهدم المستمرة منذ 4 أيام.

وكشفت تقارير المحافظة تحديد 387 عقارا ستتم إزالتها ضمن مخطط توسعة الطريق الدائري بالمنطقة، تقيم فيها 1368 أسرة، وإجمالي عدد المحال التي تم حصرها بالمنطقة بلغ 313 محلا، فيما بلغ عدد الورش 122 ورشة و35 مصنعا للقطاع الخاص.

لا تعويضات أو مساكن بديلة

والأغرب أنه كان من المفترض تسليم المواطنين المقرر إزالة بيوتهم التعويض قبل 6 أشهر، إلا أنه لم يتم، فيما تطالب الجهات الحكومية المواطنين الإخلاء الآن، في ظل ظروف الشتاء القارس، وفي وسط العام الدراسي، ما يسبب كارثة بكل المقاييس.

من جهة أخرى، فإن التعويض المدفوع أقل بكثير من أسعار الشقق حاليا، وبجبروت المستبد العسكري تقوم الحكومة بالهدم قبل التعويض، ومن يتضرر من المواطنين أو يرفض، فتطالبه باللجوء للقضاء، والحكم المعروف مسبقا وهو “المنفعة العامة تقتضي هدم العقار”.

ما يعني ضياع التعويض وفقدان المنزل والأموال أمام المحاكم؛ وهو ما يدفع المواطنين لخانة محسورة من الأزمات والكبت النفسي المفضي للانفجار، خاصة وأن كثير من أهالي المنطقة من محدودي الدخل، وكانوا أبرز مؤيدي انقلاب السيسي وهم من يخرجون لانتخابه والرقص أمام اللجان الانتخابية، عبر سماسرة العسكر الذين يختفون في تلك الظروف.

وكان خبير الإدارة المحلية حمدي عرفة قد طالب الحكومة بضرورة توفير السكن البديل لسكان منطقة “البساتين” قبل إجراء أي عملية هدم، تقديرا لظروف قاطني تلك الوحدات الاجتماعية والاقتصادية، أو إعطائهم التعويض المالي المحترم، وخاصة أن المطروح حالياً غير مناسب وقليل جدا، في ظل ارتفاع أسعار الشقق السكنية والمحلات التجارية.

ولعل ما يحدث في البساتين يحدث في المنيب، حيث يسارع السيسي الزمن لهدم أكثر من 500 برج سكني على الطريق الدائري رغم ابتعادهم عن حرم الطريق بنحو 25 مترا، كمسافة قانونية، إلا أن العسكر لا يعبئون بذلك ويصرون على تنفيذ مخططاتهم بلا رحمة أو ترو مع الأهالي، وهو ما يدفع نحو الانفجار المجتمعي.

السطو على قلب القاهرة

وفي جانب من أزمة الإزالات تكمن الكثير من المشروعات الخفية، كالاستيلاء على القاهرة القديمة والقاهرة التاريخية وتحويلها لأبراج استثمارية، ينفذها مستثمرون عرب وإماراتيون، تصب في مشروع أمني أكبر وهو إخلاء قلب القاهرة من الفقراء والمعوزين الذين يمثلون وقود الثورات والغضب الشعبي ضد نظام الاستبداد والقمع العسكري، الذي يخطط لصناعة شعب خاص به من الأغنياء والطبقة المرفهة التي لا تمثل له أية ضغوط اقتصادية أو اجتماعية، وهو نهج استبدادي بعيد المدى، ما كان يحدث لولا الانقلاب العسكري.

ومع شروع سلطات الانقلاب في إزالة عشرات المباني السكنية في منطقة السيدة عائشة التاريخية كجزء من خطة التطوير، يعمل المحامون على تقديم الدعم القانوني للسكان وأصحاب العقارات التي تم إزالتها، وسط إجراءات أمنية مشددة لمنع اندلاع الاحتجاجات، تواصل سلطات الانقلاب حملة إزالة عشرات المباني السكنية في حي السيدة عائشة الإسلامي التاريخي في العاصمة القاهرة، ما أدى إلى نزوح مئات العائلات على الرغم من حيازتها أدلة على بناء منازلها بشكل قانوني.

هدم تحت لافتة التطوير

وبحسب شهادات بعض الأهالي من حي السيدة عائشة، فهناك نحو 500 أسرة متضررة، هدم السيسي منازلهم بدعوى أنها بنيت بشكل عشوائي وليس لديها تصاريح رسمية رغم أنها مبنية منذ أكثر من 50 سنة والأهالي يقيمون فيها ويدفعون فواتير الخدمات من مياه وكهرباء وغاز وغيرها.

وأعلن مصطفى مدبولي، رئيس حكومة الانقلاب، في 22 ديسمبر 2020، تكليفه من عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب بالتنسيق مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بإقامة مشروع لتطوير القاهرة التاريخية، وإزالة المباني القديمة في المنطقة، وإعادة إسكان المواطنين في أماكن بديلة.

ووفقا لخطة التطوير المزعومة، يتم تعويض السكان المشردين إما بمنحهم مساكن بديلة، أو تكلفة الشقق التي نزحوا منها، أو تكلفة الإيجار الشهري للإقامة في أماكن سكنية أخرى.

وقال محام مصري لحقوق الإنسان يعمل في قضية الحق في السكن لـ”المونيتور”، طالباً عدم ذكر اسمه، “إن عدداً من المحامين المهتمين بهذه القضية مهتمون بالتواصل مع العائلات التي نزحت لتقديم الدعم القانوني وتقديم قضايا ضد قرارات الهدم”.

وأشار إلى أن “سلطات الانقلاب لديها سجل طويل من النزوح والترحيل التعسفي للعقارات، وحدث الشيء نفسه في منطقتي الوراق ونزلة السمان المطلة على الأهرامات، وقبل ذلك في منطقة مثلث ماسبيرو في قلب العاصمة القاهرة، ولا يبالي أحد بمطالب المواطنين ومخاوفهم من الإقامة في مناطق سكنية بعيدة أو حرمانهم من حقهم في المكان الذي يعيشون فيه”.

وأضاف المحامي “على الرغم من أن الأهالي في معظم الحالات يمتلكون الأوراق القانونية المطلوبة إلا أنهم يخشون اتخاذ الإجراءات القانونية خوفا من الملاحقات الأمنية خاصة وأن السلطات تعتقل مواطنين من المعارضة وتتهمهم بالإرهاب وتسجنهم لسنوات طويلة”.

وتنص المادة 63 من دستور 2014 الذي سنته سلطات الانقلاب على أن “جميع أشكال الهجرة القسرية التعسفية للمواطنين ممنوعة. الانتهاكات جريمة دون تقادم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى